ثقافة فيلم "عطاشى تونس" للمخرج رضا التليلي: هكذا يعيش آلاف التونسيين على خط الفقر المائي
يرفع فيلم "عطاشى تونس"، وهو آخر عمل سينمائي للمخرج رضا التليلي، يرفع الستار على واحدة من مآسي تونس آلا وهي معضلة الماء الذي بات عملة نادرة في عديد القرى والجهات التونسية التي لا يبعد البعض منها أكثر من 20 كلم على العاصمة. ويؤكد الفيلم الوثائقي من خلال مجموعة من الشهادات الحيّة المعاناة التي يرزح تحتها آلاف من المواطنين التونسيين بسبب التهميش المائي الذي تقترفه الدولة.
بعد "تُنسى" الذي تطرق فيه رضا التليلي الى واقع عدد من شبان معتمدية سيدي علي بن عون المهمشة، يعاود المخرج الكرّة مهتما هذه المرّة بموضوع ندرة المياه وسوء التصرف فيها وذلك بالتعاون مع جمعية نوماد 08 والمرصد التونسي للمياه ومؤسسة روزا لكسمبورغ.
عن دوافع الفيلم، يقول رضا التليلي ما يلي: "أنجزت هذا الوثائقي في محاولة لتحريك المياه الراكدة.. كيف يصارع آلاف التونسيين من جنوب البلاد إلى شمالها للحصول على القليل الماء.. قرى في الجنوب لا يصلها الماء، واحات الجريد لم تعد صالحة للزراعة، أحياء هلكت بسبب سوء التصرف في الماء، عيون طبيعية في الشمال مهدورة، قرى محاذية للسدود سكانها عطاشى".
تقتفي كاميرا رضا التليلي في "عطاشى تونس" أثر جغرافيا الأرض المنهكة. من الجنوب نحو الشمال راسمة خطا افتراضيا للفقر المائي. من توجان الى نفطة الى الرديف الى الوسلاتية الى جندوبة الى طبربة الى سجنان. أكثر من 10 جهات حطت فيها الكاميرا رحالها لنقل صوت من يعانون العطش والجفاف بعد فقدان الماء الصالح للشراب بسبب انعدام السياسات الكفيلة بتخزين وتوفير مياه الري والسعي.

وفي هذا السياق، بدت وجهة نظر المخرج منتصرة لهذه الحياوات التي مُست في وجدانها وفي واقعها حتى باتت المجموعة المتماسكة بانتمائها المشترك، مقسمة الى أفراد مخذولين، حائرين في أمرهم وفي أمر دولة حرمتهم من حقهم البسيط في الارتواء.
انتصرت كاميرا التليلي الى الرجال-النخيل في الجنوب، الى فلاحة سجنان المقاومة التي تحمل على كاهلها وعاء للماء يتجاوز وزنه الـ10 كيلوغرامات مسافة كيلومترات، الى ذاك الرجل الشهم الذي كان ينظر الى الكاميرا بالكاد بعد اقراره بالعجز وبالخيبة، الى رجل نفطة الذي كست الشقوق جدران بيته، الى ابن سقدود بالرديف ونخيله الميت والى هؤلاء المتعلقين بحب الارض وبخدمتها، هؤلاء الذين يصفهم التليلي بكونهم "جزءا من الأرض وليس العكس".
ومع ارتكاز الفيلم على الشهادات في تطور بنيته السردية، فانه تعمق في تمش غير مرئي أبرز معنى "الغياب"، غياب الدولة وعزوفها عن دورها في القطاع المائي. هذا الغياب الذي قادنا الى الكارثة، مدمرا في طريقه الأرض والانسان والماء والحيوان. غياب وخيارات خاطئة تكشف حجم الجريمة التي ارتكبت في حق الموارد المائية للوطن. فيلم كفيل بإقالة ومحاسبة المسؤولين الذين أهدروا بسوء تدبيرهم المائدة المائية وهمشوا التربة وجعلوا من الماء مادة صعبة المنال. ولعل ما نعيشه اليوم من غلاء أسعار الخضر والغلال واللحوم ليس الا نتاجا لسياسات فاشلة لم تحسن التصرف في ثرواتنا الطبيعية.
يؤكد فيلم "عطاشى تونس" أنّ قضية الماء، هذه التي يطلق عليها رجال الاقتصاد اسم "معركة القرن"، لا تشكل أي تحدي في بلادنا. فهو موضوع حكامنا غير معنيون به، بسبب الجهل والخمول وعدم المسؤولية. تتصارع أمم حول الماء وتحاول أخرى الاستحواذ على منابعه لوعيها بحيويته، وتظل الحكومات في بلادنا تستهتر بهذا المورد الطبيعي الذي بغيابه، تغيب الحياة ويتعذب الانسان.
بلا نصير ولا ظهير، تواصل الشخصيات التي استجوبتها كاميرا رضا التليلي مساراتها من دون ان تلتفت لها اي سلطة ما عدى سلطة الفن التي تُثبّت للتاريخ وللبعض ممن يرتادون قاعات السينما معاناة تونسيين في القرن الواحد والعشرين.
شيراز بن مراد